الشوكاني

510

فتح القدير

النصر والفتح لأم القرى التي كان أهلها قد بلغوا في عداوته إلى أعلى المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من الأقوال الباطلة ، والأكاذيب المختلفة ما هو معروف من قولهم : هو مجنون ، هو ساحر ، هو شاعر ، هو كاهن ، ونحو ذلك . ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار : أي اطلب منه المغفرة لذنبك هضما لنفسك واستقصارا لعملك ، واستدراكا لما فرط منك من ترك ما هو الأولى ، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يرى قصوره عن القيام بحق الله ويكثر من الاستغفار والتضرع وإن كان قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . وقيل إن الاستغفار منه صلى الله عليه وآله وسلم ومن سائر الأنبياء هو تعبد تعبدهم الله به ، لا لطلب المغفرة لذنب كائن منهم . وقيل إنما أمره الله سبحانه بالاستغفار تنبيها لأمته وتعريضا بهم ، فكأنهم هم المأمورون بالاستغفار . وقيل إن الله سبحانه أمره بالاستغفار لأمته لا لذنبه . وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلاة . والأولى حمله على معنى التنزيه مع ما أشرنا إليه من كون فيه معنى التعجب سرورا بالنعمة ، وفرحا بما هيأه الله من نصر الدين ، وكبت أعدائه ونزول الذلة بهم وحصول القهر لهم . قال الحسن : أعلم الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح ، فكان يكثر أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب . قال قتادة ومقاتل : وعاش صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين ، وجملة ( إنه كان توابا ) تعليل لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار : أي من شأنه التوبة على المستغفرين له يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم ، وتواب من صيغ المبالغة ، ففيه دلالة على أنه سبحانه مبالغ في قبول توبة التائبين . وقد حكى الرازي في تفسيره اتفاق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فقالوا : فتح المدائن والقصور ، قال : فأنت يا ابن عباس ما تقول ؟ قال : قلت مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نعيت له نفسه . وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال : لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من قد علمتم ، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم ، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم ، فقال : ما تقولون في قول الله عز وجل ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذاك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت لا ، فقال : ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلمه الله له ، قال ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فذلك علامة أجلك ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول . وأخرج ابن النجار عن سهل بن سعد عن أبي بكر أن سورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) حين أنزلت على رسول الله أن نفسه نعيت إليه . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قول : سبحان الله وبحمده ، وأستغفره وأتوب إليه ، فقلت : يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقال : خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي ، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقد رأيتها ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فتح مكة ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) " . وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم وبحمدك ،